إذا كانت اللغة هي التي تمنح الأشياء وجودها المعقول , مثلما تتحدد القوالب بشكل الثلج , فأن دوره في صياغة مشاعرنا المبهمة أكثر فعالية ووضوحا، لان العالم الباطني للإنسان مختلط ومحتدم , والعواطف متضاربة وساخنة , وتراث اللغة المقطر في الشعر والسرديات هو الذي يبلور هذا العماء ويصنف أحواله ويسمى تياراته . ذاكرة الشعراء في حساسياتها ونفاذها وقوة بصيرتها هي القناة التي تصل بين الأجيال وتضمن تداول المشاعر ونمو الأحاسيس . تيار الشعر العذري في الثقافة العربية من أعذب ما يتألق فيه العشق متلفعا بالنبل والإيثار , مبتعدا عن الإبتذال . فالعذرية ليست مجرد تقاليد قبيلة في البادية العربية , وليست نتاج حرمان اقتصادي أو سياسي فحسب , ولكنها نموذج متوهج لنشوة الروح وهي تعتنق المثل الأعلى للحب , تكرر في الممارسة الشعرية ما سبق أن حدست بها الفلسفة الأفلاطونية في مستوى الفكر والتنظير . وعندما تتسرب بالوجد , وتشل حركة جسدهم نحو الامتلاك الحسي الغريزي وقد تهيأ لها التقاليد الصارمة مناخ الازدهار , ولكن الأشعار وحدها هي التي تبني نموذجها السلوكي والشعوري . من لا يحفظ هذه الأشعار يقع في أول نبضة جسدية محمومة تدفعه إليها غريزة البقاء , ويكرر بوعيه ولا شعوره معا أحبولة الغواية وفخ المناورة في سبيلها . وقد تمثل شاعرنا هذا العالم العذري في منطلقه الأول , فشدا متغنيا على ما رأينا من قبل باعتباره مجللا بثراء الروح لا مظهرا للعجز , فهو ليس وضعا متقوسا يبرأ منه وتعالى عليه بل اكتمال النموذج المثالي للقادر على الوفاء به , هو حرمان ارادي في مجاهدة النفس ومغالبة النقص .
لنقرأ بعض قصائده التي تنظم في هذا الفلك , ولنتخير " حلم الهوى العذري " لنشهد ملامح هذا النموذج في صياغة المواقف والخطاب معا . فنلاحظ على التو أن ديناميكية الصدق الذي التزم به قد فرضت عليه تغييب اسم التي تغنى بهواها فهذا مما لا يزال فاعلا في تقاليد النخوة العربية والشاعر لم يحترق على العشق مثل أجداده العذريين ويتهيب التصريح بالاسم , بل يترك فراغا لا تملؤه الكناية ولا تسده الأسماء المستعارة التي يدرج الشعراء على اتخاذها أقنعة وأوسمة , فهو لا يضع بديلا لمن يحب كما قال لنا من قبل , ولا يرضى لكشف سره , ويقول :
. . يابنة البدر وينبوع الشذى العطري
وملهمتي تسابيحي وآياتي من الشعر
وساحرتي بعينيها وروح كالسنا يسري
وبالبسمات من ثغر شهي بالهوا يغري
وباللفتات من جيد به ماء الصبا يجري
ونستطيع أن نقيك كيان المطلع باستعارة اسم عذري يسد فراغه وليكن " بثينة" مثلا, حتى ينعكس على الشاعر فيجعله جميلا حتى يشع اعجابه بذاته وهو يتلوه في محبوبته فهو حينما يزهو بتسابيحه وآياته الشعرية يقدم في محرابها ما يسمو إلى مستواها من قول . إنه لا يفخر بالحب وحده , بل بالشعر من قبله كما أنه يجلو صورة كاشفة عن مفهوم العذرية اليوم وهو مختلف فهو لا يتورع عن الفتنة بجسد المرأة والتغني بمناطق الجمال فيها مضيفا عليها طبيعة نورانية روحية في الآن ذاته فقد أسفرت عن روية جديدة للمرأة , لا تفصل بين جسد وروح , فهي ابنة البدر والروح المضيئة كالسناء ولكنها ذات شذى عاطر يجعل العاشق يسكر من سحر عينيها وينهل من بسمات ثغرها الشهي فهو معجب بلفتات جيدها الريان الذي يجري فيه ماء الصبا , ثم يمضي في تتبع محاسنها :
وبالوجنات فيها الضوء يلهب لونها الخمري
فتحسب أنها شفق تلفع هالة البدر
وداجي الليل من شعر يهيم بها ولا تدري
. . . أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري
عندئذ يمتزج التراث العذري ببقية مستويات التراث الغزلي في الشعر العربي , ويصبح الشاعر سليل تلك القبيلة الكبرى من العرب كلهم , التي رفعت من ذكر الجمال في المرأة وتعبدت بمفاتنه دون أن تفصل بين الحس والفكر والشعور فصدقت في التعبير عن طبيعة الفن والحياة .