المرأة اليونانيّة والرّومانيّة في شواهِد منَ الأدب الكلاسيكي ـــ د. توفيق فهد1 ـ ت.د.محمد حرب فرزات
تلقف العرب وتمثلوا فلسفات الأمم السالفة ولا سيَّما اليونان بعناصرها الإيجابية والسلبية وانسابت إلى التراث. وفيما يلي بعض السلبيات فيما يخص المرأة، على حين أعلى الإسلام شأنها أي إعلاء.
"المجلة"
المرأة في بيزنطية:
ظلت سورية منذ الاسكندر الكبير وحتى الفتح العربي واقعة تحت تأثير المفاهيم الإغريقية –الرومانية التي ورثتها بيزنطة. وعلى الرغم من سعي المسيحية لتحسين ظروف المرأة، فإن الأسرة البيزنطية تبدو أمامنا "كالممكلة المصغرة" (1). وقد تحسن وضع المرأة بشكل ملحوظ عن طريق نظام الزواج الذي شجعت عليه الكنيسة، ولكن تسوية الأوضاع لم تؤد في الواقع إلى تسوية الإمكانيات، فالزوجة لم تكن بنظر القانون إلا حليف الرجل ومعينه وبقي الرجل "رأس الجسم الموحد" الذي تكوّن بالزواج (2). ويضاف إلى هذه التبعية التي خضعت لها الزوجة، وهي تبعية كانت شائعة في الشرق وفي الغرب على السواء، واقع استمر حتى بعد سقوط القسطنطينية في أيام السلطنة العثمانية: وهو انعزال المرأة في بيزنطة نظام الحريم وأحياناً بحراسة الخصيان (3).
ويتعلق الأمر هنا بالسلوك الخلقي الدارج. فبعض الأميرات كن يتصرفن بحرية واسعة. وبعض النساء كن يتعالين على أزواجهن، ولكن هذا كان الاستثناء. وبصورة عامة كانت المرأة موضع ريب ليس من جانب الرجال وحسب ولكن من قبل النساء أنفسهن أيضاً.
وفي أحد الأمثال الشعبية ما نصه: "العالم كله يمكن أن يصاب بالخراب ما دامت زوجتي ماضية في تبهرجها" (4). وقد كتب سيد كبير من سادة بيزنطة في القرن الحادي عشر وهو كيكانمينوس (5) يقول (إنه لمن الخطر أن يكون الرجل على علاقة سيئة مع امرأة، ولكن أشد خطراً أن يكون صديقاً لها، بخاصة إذا كانت جميلة، لأنه سيكون عليه عندئذ أن يقاوم ثلاثة أعداء: الشيطان والظرف والكلمات الفتّانة" (6). أما "كازيا"، وهي من الشخصيات البيزنطية الكبيرة فتقول: "المرأة آفة حتى ولو كانت جميلة، لكنها إن كانت قبيحة فليس لها إلا أتعس الأقدار" (7).
أما آن كومنينوس، مؤلفة الألكسياد (8) الشهيرة، وهي امرأة أديبة لم يكن لها نظير في بيزنطة، فرأيها في المرأة يعكس نظرة الاستخفاف بها: "أنهن ندابات جيدات، لقدرتهن على ذرف الدموع بسهولة، لكن الأمور الجادة لا تعنيهن، أنهن كالأواني المثقوبة لا يقدرن على كتمان السر". لكنها تعد أمها وجدتها "آن دالاسين" من الشواذ، وتكيل المدح "لا يرين دوكاس" التي تعرضت لخطر الأسر بيد الأتراك، لكنها لم تبد أية حركة ضعف كما تفعل النساء عادة" (9). وفي قصيدة عنوانها "مرآة النساء" صور من فسق النساء، كما ذكر في الكتاب المقدس وفي الأدب الدنيوي وفي الأمثال الشعبية" (10).
وقد اقتصر تعليم المرأة في بيزنطية على قراءة الكتاب المقدس وبعض المعارف الأدبية الأولية (11). وحياة المرأة في بيتها الذي لم تكن تخرج منه إلى لأداء الواجبات الدينية وإلى الحمامات العامة. كان عليها عندئذ أن تغطي رأسها بنقاب ملون يحيط بأعلى الوجه ويلفُ من الأمام ليسقط إلى الخلف (12).
لقد دامت عزلة النساء حتى نهاية أيام بيزنطة، ولقد كتب فرانسوا فيللف أمين سر بعثة دبلوماسية من البندقية في القسطنطينية، وهو متزوج من سيدة يونانية، كتب في العام 1420 واصفاً هذه العزلة كما يلي:
"النساء لا يخرجن من دورهن مطلقاً، إلا في الليل وعلى الوجه حجاب، مصحوبات بخادمات، وعندما يذهبن إلى الكنيسة أو لزيارة الأقربين من أهلهن (13)".
هذه الصورة للمرأة في المجتمع البيزنطي وقد رسمت بخطوط عريضة. ومن أجل تفهم الدوافع لمثل هذا التحفظ تجاه النساء، يجب العودة إلى المصادر المعنية بالفكر وبآداب السلوك والأخلاق في بيزنطة. وهي ليست سوى الكتابات الأساسية التي تحمل الفكر اليوناني، من المؤلفات التي بقيت للتعليم في مدارس الدولة وجامعاتها.
ولقد اعتبرت دراسة العصور القديمة الوثنية أمراً لا غنى عنه حتى عند أكبر مشرّعي الملكية البيزنطية، باسيل القيساري (14) الذي تبعه في موقفه سائر آباء الكنيسة، وفي وقت متأخر لاحق أيده يوحنا الدمشقي على الرغم من معارضة الرهبان الذين تثقفوا هم أنفسهم بتلك الثقافة القديمة، التي كانوا ينظرون إلى آدابها نظرتهم إلى الشيطان لما فيها من وثنية وميثولوجيا (15). ففي هذه الأداب القديمة نجد أن المفاهيم قد استمرت في الآداب والعادات الأخلاقية البيزنطية. وأن دراسة صورة المرأة في ثلاثة أنواع أدبية مختلفة يكشف لنا عن الاستمرارية المدهشة في الفكر ما بين اليونان القديمة وبيزنطة.
وقد اخترنا من أجل تأييد هذه الحقيقة ثلاثة أجناس أدبية تمثل الفكر القديم:
ملحمة هوميروس، مسرح اسخيلوس وأوربيديس وفلسفة أرسطو.
الالياذة وهوميروس (16):
في عالم الالياذة الملحمي، الذي سنقصر عليه اهتمامنا، يبدو كأن المرأة لم تقم سوى بدور ثانوي. كانت محتقرة لضعفها فريسة تقدم للمنتصرين. كانت توكل إليها الأعباء المنزلية الثقيلة وتخضع لمشيئة سيدها، زوجاً كان أم فاتحاً ظافراً. ومع ذلك فإن بطلات الملحمة كنّ يتمكنّ من الإفلات من مهانة الوضع الأنثوي.
فالمرأة كانت تبدو في قصائد الملحمة الطويلة، التي ألّفت على الأرجح في القرن الثامن ق. م، كأنها كائن محتقر لميلها إلى الكذب ولمحبتها للتحلي بالذهب، ولضعفها الذي عُدَّ نقيصة. وعندما اضطر ديوميديس إلى التراجع سمع هكتور وهو يصفه بالمرأة مستصغراً: "لقد تحولت الآن إلى امرأة، فرّأيها الجبان، أيتها اللعبة الصغيرة" (8، 163 –164).
وقد صور احتجاج الآخائيين الذين حرموا من وطنهم طوال تسع سنوات كأنه نحيب الأطفال أو النساء الأرامل (2، 289) والأمثلة كثيرة عن الموضوع، ويلخص أجاكس الرأي العام بهذا الصدد، عند التقائه بأخيّلوس، قائلاً له: "أن فتاة واحدة لا تستحق حقاً مثل هذه الدرجة من الغضب، خاصة إذا ما كانوا سيقدمون لك سبع فتيات بدلاً عنها"
(9، 637).
وعلى الرغم مما كان تحاط به المرأة من مظاهر الاحتقار ودلالاته فإنها بقيت مرغوباً فيها. وهي كذلك لأنها كائن ضعيف ومعزول السلاح. وهي الهدف الذي تدور حوله المعركة وأسرها يؤدي إلى اندلاع الحرب أو التي تسعيرها.
وقد دعيت هيلين التي كانت الذريعة الرسمية لحروب طروادة "زوجة المنتصر" وبالنسبة لأخيلّوس تتلخص الحرب هذه الكلمات: "إنها حرب ضد رجال آخرين لانتزاع نسائهم منهم" (9، 327) أما النصر فيختلط بالاستيلاء على النساء وعلى صغارهن.
وبالنسبة إلى الطراوديين، كان الدفاع عن المدينة يعني حماية النساء والدفاع عنهن.
فيعد هكتور بأن ديوميدوس لن يحمل معه الطرواديين على مراكبه (9، 165 –166).
ويذكر الطراوديين بأن من يموت منهم في سبيل بلده، يمنح حياته سلاماً لامرأته وأولاده وبيته وأرضه، (15، 496- 497).
المرأة اليونانيّة والرّومانيّة في شواهِد منَ الأدب الكلاسيكي ـــ د. توفيق فهد1 ـ ت.د.محمد حرب فرزات
تلقف العرب وتمثلوا فلسفات الأمم السالفة ولا سيَّما اليونان بعناصرها الإيجابية والسلبية وانسابت إلى التراث. وفيما يلي بعض السلبيات فيما يخص المرأة، على حين أعلى الإسلام شأنها أي إعلاء.
"المجلة"
المرأة في بيزنطية:
ظلت سورية منذ الاسكندر الكبير وحتى الفتح العربي واقعة تحت تأثير المفاهيم الإغريقية –الرومانية التي ورثتها بيزنطة. وعلى الرغم من سعي المسيحية لتحسين ظروف المرأة، فإن الأسرة البيزنطية تبدو أمامنا "كالممكلة المصغرة" (1). وقد تحسن وضع المرأة بشكل ملحوظ عن طريق نظام الزواج الذي شجعت عليه الكنيسة، ولكن تسوية الأوضاع لم تؤد في الواقع إلى تسوية الإمكانيات، فالزوجة لم تكن بنظر القانون إلا حليف الرجل ومعينه وبقي الرجل "رأس الجسم الموحد" الذي تكوّن بالزواج (2). ويضاف إلى هذه التبعية التي خضعت لها الزوجة، وهي تبعية كانت شائعة في الشرق وفي الغرب على السواء، واقع استمر حتى بعد سقوط القسطنطينية في أيام السلطنة العثمانية: وهو انعزال المرأة في بيزنطة نظام الحريم وأحياناً بحراسة الخصيان (3).
ويتعلق الأمر هنا بالسلوك الخلقي الدارج. فبعض الأميرات كن يتصرفن بحرية واسعة. وبعض النساء كن يتعالين على أزواجهن، ولكن هذا كان الاستثناء. وبصورة عامة كانت المرأة موضع ريب ليس من جانب الرجال وحسب ولكن من قبل النساء أنفسهن أيضاً.
وفي أحد الأمثال الشعبية ما نصه: "العالم كله يمكن أن يصاب بالخراب ما دامت زوجتي ماضية في تبهرجها" (4). وقد كتب سيد كبير من سادة بيزنطة في القرن الحادي عشر وهو كيكانمينوس (5) يقول (إنه لمن الخطر أن يكون الرجل على علاقة سيئة مع امرأة، ولكن أشد خطراً أن يكون صديقاً لها، بخاصة إذا كانت جميلة، لأنه سيكون عليه عندئذ أن يقاوم ثلاثة أعداء: الشيطان والظرف والكلمات الفتّانة" (6). أما "كازيا"، وهي من الشخصيات البيزنطية الكبيرة فتقول: "المرأة آفة حتى ولو كانت جميلة، لكنها إن كانت قبيحة فليس لها إلا أتعس الأقدار" (7).
أما آن كومنينوس، مؤلفة الألكسياد (8) الشهيرة، وهي امرأة أديبة لم يكن لها نظير في بيزنطة، فرأيها في المرأة يعكس نظرة الاستخفاف بها: "أنهن ندابات جيدات، لقدرتهن على ذرف الدموع بسهولة، لكن الأمور الجادة لا تعنيهن، أنهن كالأواني المثقوبة لا يقدرن على كتمان السر". لكنها تعد أمها وجدتها "آن دالاسين" من الشواذ، وتكيل المدح "لا يرين دوكاس" التي تعرضت لخطر الأسر بيد الأتراك، لكنها لم تبد أية حركة ضعف كما تفعل النساء عادة" (9). وفي قصيدة عنوانها "مرآة النساء" صور من فسق النساء، كما ذكر في الكتاب المقدس وفي الأدب الدنيوي وفي الأمثال الشعبية" (10).
وقد اقتصر تعليم المرأة في بيزنطية على قراءة الكتاب المقدس وبعض المعارف الأدبية الأولية (11). وحياة المرأة في بيتها الذي لم تكن تخرج منه إلى لأداء الواجبات الدينية وإلى الحمامات العامة. كان عليها عندئذ أن تغطي رأسها بنقاب ملون يحيط بأعلى الوجه ويلفُ من الأمام ليسقط إلى الخلف (12).
لقد دامت عزلة النساء حتى نهاية أيام بيزنطة، ولقد كتب فرانسوا فيللف أمين سر بعثة دبلوماسية من البندقية في القسطنطينية، وهو متزوج من سيدة يونانية، كتب في العام 1420 واصفاً هذه العزلة كما يلي:
"النساء لا يخرجن من دورهن مطلقاً، إلا في الليل وعلى الوجه حجاب، مصحوبات بخادمات، وعندما يذهبن إلى الكنيسة أو لزيارة الأقربين من أهلهن (13)".
هذه الصورة للمرأة في المجتمع البيزنطي وقد رسمت بخطوط عريضة. ومن أجل تفهم الدوافع لمثل هذا التحفظ تجاه النساء، يجب العودة إلى المصادر المعنية بالفكر وبآداب السلوك والأخلاق في بيزنطة. وهي ليست سوى الكتابات الأساسية التي تحمل الفكر اليوناني، من المؤلفات التي بقيت للتعليم في مدارس الدولة وجامعاتها.
ولقد اعتبرت دراسة العصور القديمة الوثنية أمراً لا غنى عنه حتى عند أكبر مشرّعي الملكية البيزنطية، باسيل القيساري (14) الذي تبعه في موقفه سائر آباء الكنيسة، وفي وقت متأخر لاحق أيده يوحنا الدمشقي على الرغم من معارضة الرهبان الذين تثقفوا هم أنفسهم بتلك الثقافة القديمة، التي كانوا ينظرون إلى آدابها نظرتهم إلى الشيطان لما فيها من وثنية وميثولوجيا (15). ففي هذه الأداب القديمة نجد أن المفاهيم قد استمرت في الآداب والعادات الأخلاقية البيزنطية. وأن دراسة صورة المرأة في ثلاثة أنواع أدبية مختلفة يكشف لنا عن الاستمرارية المدهشة في الفكر ما بين اليونان القديمة وبيزنطة.
وقد اخترنا من أجل تأييد هذه الحقيقة ثلاثة أجناس أدبية تمثل الفكر القديم:
ملحمة هوميروس، مسرح اسخيلوس وأوربيديس وفلسفة أرسطو.
الالياذة وهوميروس (16):
في عالم الالياذة الملحمي، الذي سنقصر عليه اهتمامنا، يبدو كأن المرأة لم تقم سوى بدور ثانوي. كانت محتقرة لضعفها فريسة تقدم للمنتصرين. كانت توكل إليها الأعباء المنزلية الثقيلة وتخضع لمشيئة سيدها، زوجاً كان أم فاتحاً ظافراً. ومع ذلك فإن بطلات الملحمة كنّ يتمكنّ من الإفلات من مهانة الوضع الأنثوي.
فالمرأة كانت تبدو في قصائد الملحمة الطويلة، التي ألّفت على الأرجح في القرن الثامن ق. م، كأنها كائن محتقر لميلها إلى الكذب ولمحبتها للتحلي بالذهب، ولضعفها الذي عُدَّ نقيصة. وعندما اضطر ديوميديس إلى التراجع سمع هكتور وهو يصفه بالمرأة مستصغراً: "لقد تحولت الآن إلى امرأة، فرّأيها الجبان، أيتها اللعبة الصغيرة" (8، 163 –164).
وقد صور احتجاج الآخائيين الذين حرموا من وطنهم طوال تسع سنوات كأنه نحيب الأطفال أو النساء الأرامل (2، 289) والأمثلة كثيرة عن الموضوع، ويلخص أجاكس الرأي العام بهذا الصدد، عند التقائه بأخيّلوس، قائلاً له: "أن فتاة واحدة لا تستحق حقاً مثل هذه الدرجة من الغضب، خاصة إذا ما كانوا سيقدمون لك سبع فتيات بدلاً عنها"
(9، 637).
وعلى الرغم مما كان تحاط به المرأة من مظاهر الاحتقار ودلالاته فإنها بقيت مرغوباً فيها. وهي كذلك لأنها كائن ضعيف ومعزول السلاح. وهي الهدف الذي تدور حوله المعركة وأسرها يؤدي إلى اندلاع الحرب أو التي تسعيرها.
وقد دعيت هيلين التي كانت الذريعة الرسمية لحروب طروادة "زوجة المنتصر" وبالنسبة لأخيلّوس تتلخص الحرب هذه الكلمات: "إنها حرب ضد رجال آخرين لانتزاع نسائهم منهم" (9، 327) أما النصر فيختلط بالاستيلاء على النساء وعلى صغارهن.
وبالنسبة إلى الطراوديين، كان الدفاع عن المدينة يعني حماية النساء والدفاع عنهن.
فيعد هكتور بأن ديوميدوس لن يحمل معه الطرواديين على مراكبه (9، 165 –166).
ويذكر الطراوديين بأن من يموت منهم في سبيل بلده، يمنح حياته سلاماً لامرأته وأولاده وبيته وأرضه، (15، 496- 497).

















LinkBack URL
About LinkBacks

رد مع اقتباس